أحكام سجود السهو
سجود السهو
اعلم - رحمك الله - أنه يتعلق بسجود السهو بعض المسائل:
المسألة الأُولى: إذا ترك المصلي بعضَ الرَّكعاتِ وَسَلَّم (سواء كانت ركعة واحدة، أو اثنين، أو ثلاثة)، ثم تيقَّن بعد الصَّلاة أنَّه ترك هذه الركعات: فإنه يأتى بهذه الرَّكعات (هذا إذا لم يطُلِ الفصلُ، كأنْ يمر أقل من 5 دقائق تقريبا)[13] وسواءٌ في ذلك تكلَّمَ بعد السَّلام، وخرج من المسجدِ، واستدبر القِبْلةَ، ونحو ذلك، ويكون سجودُ السَّهو في هذه الحالة: بعد السَّلام؛ وذلك لِمَا ثبت عن أبي هريرةَ - رضي الله عنه - أنه قال: صَلَّى رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - إحدى صلاتَيِ العَشِيِّ - إمَّا الظُّهرَ وإما العصرَ - فسَلَّمَ في ركعتيْنِ، ثمَّ أتى جِذْعًا في قِبْلة المسجدِ، فاستند إليها، وخرجَ سَرَعانُ النَّاس - (يعني خرجَ الناس المتعجلون من المسجد) -، فقام ذو اليديْنِ - وكان رجلٌ في يديه طُولٌ - فقال: يا رسولَ الله، أقُصِرَتِ الصَّلاةُ أم نسيتَ؟ فنظر النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يمينًا وشِمالاً، فقال: ((ما يقولُ ذو اليديْنِ؟!)) قالوا: صدَقَ، لَمْ تُصَلِّ إلا ركعتيْنِ، فصلَّى ركعتيْنِ وسلَّمَ، ثم كبَّرَ، ثم سجدَ، ثم كبَّرَ فرفعَ، ثم كبَّرَ وسجدَ، ثم كبَّر ورفع[14].
• وأما إذا طال الفصل (كأن يتذكر بعد فترةٍ تزيد على 5 دقائق تقريباً): فإنه يُعِيدُ الصلاة مِن أوَّلِها (على الراجح من أقوال العلماء)[15]، وعند مالكٍ: يبنِي (أي: يُكمِلُ صلاتَه)، طالما أنه لَم يُنتقض وضوءه.
هذا إذا تيَّقنَ بعد السَّلام أنه نَسِيَ هذه الركعات، وأما إذا شكَّ بعد السَّلام: (هل تركها أم لا؟)، ففيهِ خلافٌ، ورجَّحَ النَّوويُّ أنَّه لا أثَرَ للشَّكِّ بعد السَّلام[16]، ويرى بعضُ أهل العلم أنه لا أثَرَ للشَّكِّ في الحالات الآتية:
الأُولى: إذا شكَّ بعد السلام.
الثانية: إذا كان يكثُرُ منه هذا الشَّكُّ.
الثالثة: إذا كان وهمًا أشبه بالوسواسِ.
المسألة الثانية: إذا ترك رُكنًا من أركان الصَّلاة (كأن يسجدَ سجدةً واحدةً ويقومَ للثانية، أو يترْكَ ركوعًا أو اعتدالاً)، ثم تذكَّرَ بعد قيامِه للرَّكعة التي تليها، فالذي نصَّ عليه الإمام أحمدُ أنه إنْ بدأ في القراءةِ: بطَلت الرَّكعةُ التي ترَكَ ركنَها، ويجعل الركعة التي بدأ فيها مكانَها (يعني عليه أن يأتي بركعة أخرى مكان الركعة التي بَطُلَت).
• وأمَّا إذا تذكَّر قبل أن يبدأ في القراءة، فإنَّه يرجعُ إلى الرُّكن الذي ترَكَه، ويبني عليه بقيَّةَ صلاتِه، (وفي المسألةِ خلافٌ عند الشَّافعية؛ لِمَا ذكِر).
المسألة الثَّالثة: إذا شكَّ في عدد الركعات التي صَلاّها فله حالتان:
الحالة الأُولى: أن يكونَ عنده غلبةُ ظنٍّ، (فإذا شكَّ مثلاً: هل صلَّى ركعتين أم ثلاثًا؟ فقد يغلِبُ على ظنِّه أنهم اثنتانِ، وقد يغلِبُ على ظنِّه أنهم ثلاثةٌ)، ففي هذه الحالةِ يعمل بما غلب على ظنِّه، ثم يسجدُ سجدتين بعد السَّلامِ.
الحالة الثانية: أن يستويَ عنده الشَّكُّ، ولا يغلِبُ على ظنِّه شيءٌ، ففي هذه الحالة يبني على الأقلِّ، فإذا شكَّ هل صلَّى ركعتين أم ثلاثًا؟ اعتبرهما اثنتينِ؛ لأنَّ ذلك هو اليقينُ عنده، ثمَّ يسجدُ سجدتين قبل السَّلامِ.
المسألة الرَّابعة: إذا ترك واجبًا من واجباتِ الصَّلاة: فلا يَلزَمُه الإتيان به، لكنه يسجدُ للسَّهو.
المسألة الخامسة: إذا نسِيَ سنَّةً من سُنَن الصَّلاة: فلا شيءَ عليه، وليس عليه سجودُ سهوٍ، ولا يجبُ عليه الرُّجوع للإتيان به، فإن عاد إليه، فقد قال النووي رحمه الله: (بَطَلت صلاتُه إن كان عامدًا عالِمًا بتحريمه، فإنْ كان ناسيًا أو جاهلاً، لَم تبطُلْ)[17].
المسألة السادسة: إذا سها الإنسانُ في غير هذه المواضع السابقة: (كأن يجلسَ في موضع قيامٍ - بعد الرَّكعة الأُولى مثلاً أو الثالثة -، ظناً منه أنه موضعُ تشهُّدٍ)، أو أن يجهَرَ في موضع إسرارٍ أو العكس، أو أن يصلَّى خمسًا، أو أن يزيد في عددَ السَّجَدات)، فكلُّ ذلك يسجد له للسَّهو، واختلفوا هل يسجد قبل السَّلامِ أم بعده؟ والأمر فيه واسعٌ؛ لأنَّه لَم يرِدْ نصٌّ يحدِّد موضعَ سجودِ السَّهو في مثل هذه الأمور.
واعلم أنَّ المواضع التي وردَ فيها السُّجود قبل السَّلام هي:
أ - إذا شكَّ في عدد الركعات التي صَلاّها.
ب- إذا ترك التشهُّدَ الأوَّلَ ناسياً.
وأما المواضع التي ورد فيها السُّجودُ بعد السَّلام فهي:
أ- إذا سلَّم قبل أن يُتمَّ الصَّلاةَ وقد ترك بعضَ ركعاتِها.
ب- إذا زاد ركعةٍ في الصَّلاة (وفيها خلافٌ بين العلماء: هل يسجد قبل السلام أم بعده، فالأمر في ذلك واسع)[18].
جـ- إذا تحرَّى في عدد الرَّكعات، وصلَّى على الغالب لظنِّه.
د- وأما ما عدا هذا، فالمصلي مخيَّرٌ بين أن يسجدَ قبل السَّلامِ أو بعده؛ لأنَّه لَم يرِدْ في ذلك تقييدٌ.
المسألة السابعة: إذا أتى بشيءٍ من المنهيَّات في الصلاة:
أ- فإن كانت هذه " المنهيَّات" مما لا تَبطُلُ - بعَمْدِها - الصَّلاةُ؛ (كالنَّظر إلى ما يُلهي، ورفع البصر إلى السَّماء، وتشمير الثَّوب والشَّعَر، ومسح الحصى، والتَّثاؤب، والعبثِ بلحيتِه وأنفِه ونحو هذا)، فإذا فعل من ذلك شيئًا سهوًا فلا شيءَ عليه.
ب- أما إن كانت هذه المنهيَّات مما تَبطُلُ - بعَمْدِها - الصَّلاةُ؛ (كالكلامِ، والرُّكوع والسُّجود الزَّائد)، فإذا فعل من ذلك شيئًا سهوًا: سجد للسَّهو.
المسألة الثامنة: في التشهُّد الأول:
أ- إذا ترك التشهُّدَ الأوَّلَ ناسياً، وقام حتى انتصب قائمًا، فلْيَمضِ في صلاته، وليسجد سجدتيْنِ للسهو قبل السلام، ولا يجوزُ له العَوْدُ إلى القعود، فلو عاد بعد قيامِه كاملاً بَطَلت صلاتُه، وهذا ما ذهب إليه جمهورُ العلماءِ.
• وأما إذا تذكَّرَ أثناء تحرُّكِه (وقبل أن يستتمَّ قيامه)، فإنه يعودُ إلى جلوسِه للتشهُّد، وليس عليه سجدتانِ.
قال النَّوويُّ رحمه الله: "فإن عادَ متعمِّدًا عالِمًا بتحريمه: بَطَلت صلاتُهُ، وإن عاد ناسيًا لَم تبطُلْ، وَيَلزمُهُ أن يقومَ عند تذكُّرِه ويسجدَ للسَّهو[19]"، وأمَّا إن عاد جاهلاً بأنّ ذلك الفِعل يُبطِلُ الصلاة، ففيه خلاف بين العلماء (هل تَبطُل صلاته أم لا؟)، والراجح أنها لا تَبطُل طالما أنه جاهل بالأمر.
ب- إذا ترك التشهُّدَ الأوَّلَ واستتمَّ قائماً: فقد وجبَ على المأمومينَ أن يتابعوه، حتى لو سبَّحوا به، وذلك لِمَا ثبت عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنه أشار إليهم بالقيامِ عندما سبَّحوا به[20]، وحينئذٍ لا يجوز للمأمومِ أن يتخلَّفَ عن إمامِه ليتشهد هوَ، فإن فعل ذلك فقد بطَلت صلاتُه.
ج- لو انتصبَ المأموم قائماً مع الإمام، فعاد الإمامُ للتشهُّد، لَم يَجُزْ للمأمومِ العَوْدُ، بل ينوي مفارقتَه ويتم صلاته لنفسه، فلو عاد مع الإمامِ للتشهد عالِمًا بتحريمِ ذلك فقد بطَلت صلاتُه، وأما إن عاد ناسيًا أو جاهلاً لَم تبطُلْ.
د- لو قعد المأمومُ فانتصب الإمامُ قائماً ثم عاد: لزِمَ المأمومُ القيامَ، لأنَّ القيام قد وجب على المأموم بانتصابِ الإمام[21].
هـ- هذا كلُّه ما إذا انتصب الإمام، وأما إذا لَم ينتصِبْ، فقد قال ابنُ قُدامةَ: "فأمَّا إن سبَّحوا به قبل قيامِه - يعني قبل أن يستتم قائماً - ولَم يرجعْ: تشهَّدوا لأنفسِهم ولَم يتبَعوه في ترْكِه؛ لأنَّه ترَكَ واجبًا تعيَّن فِعلُهُ عليه"[22].
ما هي الحكمة من سجود السهو؟
الحكمةَ من سجود السَّهو: أنه إذا كانت صلاتُه في حقيقةِ الأمرِ خمسًا، كانت السَّجدتانِ بمقامِ ركعة فتشفع صلاتَه؛ (يعني يكونُ مجموعُ ركعاتِه شَفْعًا "أي: عددًا زوجيًّا")، وإن كانت صلاتُهُ في حقيقة الأمر تامَّةً، وليس فيها شيءٌ زائد، كانت السجدتانِ ترغيمًا للشَّيطان؛ وذلك لأنَّ الشَّيطان إنما يقصِدُ من وسوستِهِ إبعادَ المرءِ عن السُّجود لله، فلمَّا كان السَّهوُ بسببه: كان السُّجود إغاظةً له، وإمعانًا في مخالفة مقصودِه، فلا يزيدُه ذلك إلا بؤسًا.
ملاحظات(**):
1- إذا قامَ عن التشهُّدِ الأخيرِ إلى ركعةٍ زائدة: فإنه يرجعُ إلى التشهد متى تذكَّرَ، ولا يجوزُ له المضيُّ في الزِّيادة.
ومثالُ ذلك: رجُلٌ قام إلى خامسةٍ، ثمَّ تذكَّرَ أثناء قراءتِهِ - أو أثناء ركوعِهِ - أنه أتى بخامسة، فإنه يعود مباشرةً للجلوس للتشهُّد، ويسجد في آخر الصَّلاة للسَّهو، فلو مضى مع علمِهِ بالزِّيادة فقد بطَلت الصَّلاة.
2- إذا جلس في موضع قيامٍ (كأن يجلسَ بعد الرَّكعة الأُولى أو الثالثة، ظناً منه أنه موضعُ تشهُّدٍ)، فإنه يقوم متى تذكرَ، ويُتِمّ صلاتَه، ويسجد للسَّهو.
3- إذا كانَ عليه سجدتين للسهو، وَنَسِيَ أن يسجدهما، ثم تذكَّرَ بعد الصلاة فإنه يأتي بهما، سواءٌ تكلَّم بعد الصَّلاةِ أم لم يتكلَّم، (إلا أنَّ بعضَ العلماء يرونَ أنه يأتي بهما إذا لَم يَطُلِ الفصلُ، وأما إذا طالَ الفصلُ: فقد قالوا: لا يسجدُ، ثم اختلفوا: هل تبطُلُ صلاتُه أم لا؟) (والرَّاجح - والله أعلم - أنه يسجد متى تذكَّرَ حتى لو طالَ الفصلُ، وأنَّ صلاتَه صحيحةٌ).
4- ليس في سجودِ السَّهو تشهُّدٌ، والرِّواية التي ورد فيها ذِكرُ التشهُّدِ روايةٌ شاذَّة؛ كما أشار إلى ذلك الحافظُ ابنُ حجَرٍ رحمه الله.
5- إذا سها أكثَرَ مِن سهوٍ في الصَّلاة، فالذي رجَّحه ابن قدامة في "المغني" أنَّه يكفيه سجدتان فقط للسَّهو، سواءٌ كان السَّهو من نوعٍ واحدٍ أو مِن نوعين مختلفيْنِ.
6- ليس على المأمومِ سجودُ سهوٍ (إذا سَها خلف إمامِه)، إلا أنْ يسهُوَ إمامُه فيتابِعَه ويسجدَ معه.
• فإذا كان المأمومُ مسبوقًا، وسها الإمامُ (سواءٌ كان سهوُ الإمامِ فيما لَم يُدْرِكْه فيه المأمومُ، أو فيما أدركه فيه) فإنه يسجد معه أيضًا (وسواءٌ كان سجودُ الإمامِ قبلَ السَّلام أو بعده)، فإذا سها المسبوقُ فيما انفرد به بعد إمامِه: سَجَدَ للسَّهو، وأما إذا قام المسبوقُ لإتمام ما فاته فوجدَ إمامه قد سجد للسَّهو: فحُكمُه حكمُ القائمِ عن التشهُّدِ الأوَّل: (إن سجد إمامُهُ قبل انتصابِه قائمًا لزِمَه الرُّجوع، وإن انتصبَ قائمًا: لَم يرجعْ، ويسجدُ بعد إتمام صلاتِه).
7- إذا سَلَّم المأمومُ ظنَّاً منه أنَّ الإمامَ قد سلَّمَ، ثم تبيَّنَ له أنه لَمْ يسلِّمْ، فإنه يعود ليقتدي بالإمام، ثم يسلَّم معه، وليس عليه سجودُ سهو.
8- قال النوويُّ رحمه الله: "ولو تيقَّنَ - يعني المأمومَ - في التشهُّدِ أنه ترَك الرُّكوعَ أو الفاتحةَ مِن ركعةٍ ناسيًا، فإذا سلَّمَ الإمامُ: لزِمَه أن يأتي بركعةٍ أخرى، ولا يسجد للسَّهو؛ لأنه سها في حال القُدوةِ"[23].
9- إذا ترك سجدةً ونسِيَ موضعَها لزِمَه ركعةٌ كاملةٌ؛ لأنَّه يُحتمَلُ أن تكونَ هذه السجدة مِن غيرِ الأخيرةِ فيلزمُه ركعةٌ.
10- وأما إذا نسِيَ السَّجدة الثَّانية في الرَّكعة الأخيرة ثم سلَّمَ، فقد ذهب الشَّافعية إلى أنه يتداركَها، يعني يسجدها ثم يتشهَّدَ ويسجدَ للسَّهو، وأما ما ذهب إليه أحمدُ واللَّيثُ بن سعد فهو أنه يأتي بركعةٍ كاملةٍ، والله أعلم.
11- لو قام الإمامُ إلى ركعةٍ خامسةٍ فإن المأموم لا يتابعُه؛ لأنَّ المأمومَ أتَمَّ صلاتَه يقينًا.
فإذا كان المأمومُ مسبوقًا بركعةٍ أو شاكًّا في فعلِ ركنٍ فقام الإمامُ لخامسةٍ، فهل يجوز للمأمومِ أن يتابعَه على أنَّ هذه هي الرَّكعة الباقية له؟
قال النَّووي رحمه الله: "لم يَجُزْ للمسبوق متابعتُه فيها؛ لأنَّا نعلمُ أنها - أي هذه الركعة الخامسة - غيرُ محسوبةٍ للإمام، وأنَّه غالطٌ فيها"[24].

تعليقات
إرسال تعليق
اكتب ما تريد بحيث لا يتنافي مع الشريعه العصماء